لقاء مع الدبلوماسي السابق والاديب الاستاذ صباح الزهيري .

مشاهدات




كثيرون يطلق عليهم كلمة مثقفين . ولكن شتان ما بين من كان ولا يزال وسيبقى مدرسة حقيقية في الثقافة والادب وبين من يعيش ليأكل ويشرب ويوزع البؤس والحزن والالم على كل شبر من الارض يمر عليه . نماذج رائعة راقية يملؤها الحُب والابداع ينثرون حولهم الايجابية والنجاح والابتسامة حيثما حلّوا . 


اليوم نلتقي برجل مُميز جدا خَلقاً وخُلُقا وابداعا وطيبة وشهامة وشجاعة واخلاص . قلباً احب الناس واحبوه حتى اضحى قمراً من اقمار العراق . إنه الاستاذ والاديب صباح الزهيري فأهلا ومرحبا بك . في البداية نرحب بك اجمل ترحيب ونتمنى أن تسافر بنـا والأحبة الـقراء إلى عـالمك المليء بروعة الحياة وبهجـة المعرفة وأول سـؤال نود منك الإجابة عليه هو .

 

س : من هو الاستاذ والكاتب صباح الزهيري ؟


ج : بكل فخر انا خريج الدراسة المجانية لكافة المراحل ( أبتدائية ومتوسطة وأعدادية وبكلوريوس جامعة ودبلوم ترجمة فورية ) حين كانت الدولة العراقية تتولى كافة مصاريف وكلف تنشئة الأجيال , ثم اني موظف دبلوماسي لمدة 23 سنة عندما كان يتم ألأختيار للعمل في وزارة الخارجية لمن يحوز على شروطها الأساسية الثلاث ( ثقافة عامة واسعة , وكفاءة شخصية , والتكلم بلغة أجنبية) .

 

س : كغيرك من المبدعين لابد أن تكون لديك بدايات على طريق الانجازات الجميلة . متى وأين كانت أول تجربة لك؟ 


ج : لا أستطيع الأدعاء بكوني أديبا , ولكني أعترف بأني قاريء نهم , وقد قرأت كثيرا في كل صنوف القراءة , وبعد اقصائي من الوظيفة بعد 2003 , وجدتني اكتب في وقت الفراغ المتسع مجموعة من المواضيع المنوعة من وحي ممارسة الحياة اليومية لموظف دبلوماسي عن مشاهداته وتجاربه الشخصية والروحية , كل موضوع يتكون من حوالي صفحتين او اقل , ويطلق على اسم الموضوع ( مقامة ), وهناك قسم من المقامات يتعلق بالعمل السري للدبلوماسي , خصوصا أثناء أزمات العراق الكبرى , والتعامل معها وكتابتها بأسلوب أدبي جذاب للقاريء, ويتعلق القسم ألآخر بمواضيع أدبية متنوعة ومراسلات نقدية ومخاطبات مع شعراء وأدباء, وقد راعيت الكتابة بشكل مختزل بعيد عن ألأسهاب مراعاة لقراء هذه ألأيام الذين يفضلون النصوص القصيرة, وقد لاقت هذه المقامات المنوعة استحسان المعارف والأصدقاء حيث نصح الكثير منهم بجمعها وطباعتها في كتاب لأهميتها التاريخية وألأدبية.

 

س : هل يمكـن أن تحدثنا عن مشـاريعك المُستقبلية؟


ج : الحقيقة, بعد القطيعة مع الدولة الجديدة , التي سلبت حقوقنا المشروعة , وبعد العمر المتقدم , لم يبق لي الا هذه التغريدات المقامية , علها تبعث رسالة للأجيال الجديدة .

 

س : يود الكثيرون ان يمضوا في نفس الطريق الذي اتخذته فماهي وصيتك لهم ؟


ج : القراءة والتوسع بها , والتزام مباديء الوطنية والأنسانية بشكل جاد , لقد كانت الأعوام  والعمل في الدوائر السياسية في الخارجية , ولا بد من الأعتراف بهذا قد أنضجت أسلوبي , كما بلورت الحوارات والصداقات والقراءات نظرتي للأدب وطبيعته ووظيفته, وكنت أذهب في كتاباتي إلى آخر حدود الأسلاك الشائكة, غير أني كنت أتجنب الاصطدام بالألغام ,لذلك لم أكن من الكتاب الذين عرفوا السجون ولكني عرفت الفصل وأستلاب الحقوق ,وسعيت طوال سنوات عمري أن أكون مستقلًا, أدافع دائمًا عما أعتقد أنه صحيح . لقد فتحت لي القراءة بابا تطل على عالم من الخيال بدا وكأنه عالمي المفضل ,هناك بعيدا عن الناس حيث سماوات لاحدود لها, واذا كان لكل قدره فلقد كان قدري ان تقودني القراءة الى الكتابة دون وعي مني او ارادة او حتى رغبة , حتى اذا مانضجت العادة واشتد ساعدها واستوت سوقها , راحت تزهر حبا بلا نهاية للكتب والكتاب .

 

س : كيف ترى نفسك الآن بعد هذه الرحلة الجميلة التي عشتها في عالم الادب والثقافة والعمل الدبلوماسي ؟


ج : عندما يجلس الأنسان فوق قمة عمر يسعى نحو الأفول , يأخذ تعامله مع الذكريات حيزا أوسع , من عاداتي اليومية السير ساعة او اكثر , وهي آخر رياضة يسمح بها للشيوخ بعد ان يودعوا الشباب والكهولة وبعدما تترى أوامر الأطباء ونواهيهم وانذاراتهم وتحذيراتهم من القلوب المكدودة, وأثناء المشي تومض الذاكرة بنفحات مما مضى , لأطل بهذه أو تلك على السيرة ثم لأعود مرة أخرى الى كهف ألأقصاء, كان من حظي او قدري أن أتيحت لي الفرصة بحكم عملي أن أجوب شواطيء ومدن العالم, عام 1980 كان لي الحظ أن امشي فوق ظهر سور الصين العظيم , حينها شعرت اني أمشي على التاريخ, وفي عام 1983 زرت كولسيوم روما , مرتع النشاطات الفكرية والثقافية لخمسمئة عام تترى ,  هناك يجتمع الفكر والجنون على صعيد واحد, بناه فلافيو فسبازيان , وأحرقه نيرون , شاهدت اليونان وجزرها العديدة التي تحمل عبق التاريخ والمعارك والأبطال والأساطير والفلسفات  ,وبقايا حضارة سادت زمنا , هناك حيث الشواطيء ضحلة والمياه كابية اللون والموج غاضب مزمجر وكأنه يريد ان يعلن عن سطوة كانت وحضارة قامت وحروب استعرت , ثم ايطاليا من تريستا وفينيسيا في الشرق الأيطالي الى الشاطيء الغربي حيث نابولي وكابري ولوفور وجنوا ثم بورتوفينا التي تغنت داليدا بجمالها في الستينات والتي تقع على خليج صغير تحيطه المرتفعات الصخرية ترسو تحت اقدامها يخوت نجوم السينما واصحاب الملايين لتكون المتعه ان وجدت في هدر المال , متعة انك تدفع في فنجان قهوة او زجاجة ماء عشرة اضعاف ماتدفعه في اغلى مدن العالم , ومن الريفيرا الأيطالية الى الريفيرا الفرنسية بكل شهرتها العالمية فأذا جمال الطبيعة فيها من صنع الأنسان الذي تفنن في الأبداع فيؤخذ المرء لساعة او لساعات ثم يفيق فأذا به يطالع قناعا زاهيا لشاطيء عادي, بعدها نتجه غربا الى اسبانيا والبرتغال وجزيرة ماديرا وشواطيء الأطلسي المربدة في جزر الآزوروس الصغيرة المتناثرة كقطع الكيك المزدانة بالورود والأكواخ الملونة , وقد تجولت أقطار أفريقيا كلها طوال فترة الثمانينات , بعض البلدان تُعشق أيضاً من النظرة الأولى, أو من الزيارة الأولى, وقد أحببت كينيا وأنا في أوائل شبابي وهي في عز صباها الجميل,حيث عملت فيها لمدة ثلاث سنوات لم يكن أجمل ما فيها أكبر محمية طبيعية في العالم, ولا جبالها الضاربة في ثلوج السماء, ولا ساحِلها الأخّاذ, بل كان طيبة أهلها وبساطتهم ومعاملتهم للغريب وكأنه وصل إلى البلاد من قبلهم,  داوَمتُ على متابعة أخبار كينيا وكأنها مسألة شخصية, وليست فقط حدثاً دولياً, وكنتُ أسعد بأنها لم تنزلق إلى النزاعات مثل دول القارة الأخرى , ومع أنّ التدهور أحاط بها من الجوار القبليّ المعطوب, مثل أوغندا والصومال وزامبيا, فإنها صمدت في وجه الكوارث, وكانت جنيف آخر محطاتي في وزارة الخارجية وهي كما تعرفينها العاصمة الأوربية للامم المتحدة, الا اني كنت اشعر انها تصيب زائريها بالملل بعد يوم او يومين, ليس لإنها تخلو من المعالم الملفتة, او لفقر أبنيتها التاريخية من المناظر الممتعة والمثيرة, بل لان الهدوء الأسطوري المخيم على مدينة الحياد, الراقدة في أحضان اجمل الجبال,يثير الملل في قلوب الزوار,لان كل شيء فيها صحيح ومنسق ,فلا يوجد غصن شجرة شاذ, ولا أصص زهور متناثرة, وحتى بجعات البحيرة يسبحن بنسق وكأنهن يؤدين فالس شتراوس , كنا نذهب إلى الأمم المتحدة في نيويورك خريف كل عام لكي نطلع على قضايا وأحوال الشعوب والقادة الذين يخاطبون أهل المسكونة من وراء المنبر الأخضر, وبعد الأحتلال شاء حظي أن أعمل في أحد الشركات عابرة المحيطات حيث أوفدت الى البرازيل والأرجنتين وشاهدتها عالم آخر وبشر مختلفين هم اقرب الى الملائكة.

 

س : ما هو الحدث الذي ترك بصمة مهمة في حياتك ؟


ج : لاريب أنه أحتلال العراق ونتائجه , الذي اعتبر خرقا سافرا للقانون الدولي , ففي عام 2003 كنت هذا المسافر الحائر حين أطبق الغزاة على بلدي واختلطت المشاعر ما بين الحزن لفراق الوطن والأحباب والأهل , ومشاعر الأمن في حياة جديدة وأشخاص جدد, ولكن غلبة الشوق والحنين للديار والوطن الذي أكلنا من ثماره وعملنا على نهضته جعلتني أجازف بكل شيء الأمان والوظيفة وعيش اللجوء, وهنا بدأت اقارن بين أجيالنا التي كانت تهب أرواحها فداء للوطن , وأجيال غريبة دربها المحتل وثقفها أن تهب الوطن لأنفسها , وهنا كانت الصدمة الكبرى.

 

س : ماهي احب الانجازات الى نفسك ولماذا ؟


ج : كثيرة , مفادها انني دفعت دين الوطن بما قدمته في مجال عملي الوظيفي , أو على صعيد المجتمع حيث ان ابنائي الثلاثة يحملون درجة الدكتوراه ويحتلون مناصب علمية بوظائف تخدم الناس , ولا زالت أفكاري الوطنية مصدر اشعاع لمن حولي وتبعث الآمال في استعادة بلدنا وضعه الطبيعي في مصاف الأمم رغم ماكان وسيكون .

 

س : ما هي وصيتك الى الكتاب والادباء الشباب وكيف يمكن ان يكونوا ناجحين حتى يصلوا الى مراتب عليا في المجتمع خصوصا في هذا الزمان ؟ 


 ج : كان لقرار مجانية التعليم فضل كبير على أبناء جيلنا كله, وكانت المناقشة والآراء تثري العقل والوجدان, حيث تنطلق الآراء دون تحفظ او مجاملة,وبينما كان أفراد جيلنا يخوضون معارك أدبية مع من يختلفون معهم في الرأي كنا قادرين على أكتساب الجميع , من كل القيادات والمدارس بلا أستثناء, ومع حرارة المناقشة وأحتدام الجدل , كان الجميع ملتزمين بحدود لايتعداها أحد, هناك أحداث بعضها قريب وبعضها يبعد عنا بأربعين عاما كاملة , يطاوعني القلم حينا , ويخذلني حينا آخر, كأن هناك معركة بين العقل والقلب.

 

س : كلمة الى الجيل الحالي من الشباب ؟


ج : البلد بحاجه لدم جديد ليس في السياسة فقط وأنما في الأدب والفن والعلم أيضا, لقد اعتدت الا أحب هؤلاء السُذّج الذين يتخرجون بمعدلات عالية, وتخصصات علمية مهمة, لكنهم لا يسمعون الموسيقى, ولا يعرفون شاعراً واحداً, ولم يحضروا فيلم سينما, أو يحاولوا كتابة قصيدة, أو أن يخلطوا علبة ألوان ليرسموا لوحة, أنا لا أفهم هؤلاء الناس الذين بلا طقوس شخصية بلا عادات بلا تفاصيل , لا يهتمون بألوان الأزرار , ولا خشب المقاعد ويرضون بأي سائل ساخن أحمر فلا يتوقفون عند نوع الشاي , الحياة في التفاصيل , في الأحاسيس , في الذائقة , في معنى أن تهز رأسك حزناً أو فرحاً أو طرباً لمقطع من أغنية قديمة , أو أن تنفعل برائحة الياسمين تهب من شارع عتيق على الدوار ألآخر.


س : ما هي وصيتك الى الكبار في اعمارهم الصغار في عقولهم ؟


ج : لا أدري ما الذي أعطى العراقيين هذه الروح المتطرفة, هل التربة الغرينية ؟ هل النفط الذي تسبح فيه ؟ هل مياه دجلة والفرات؟ هل التفاوت الشديد في الحرارة بين الصيف والشتاء في الليل والنهار؟ لهذا التطرف جذور قديمة, سمعنا أنه عندما بنى عبد الملك بن مروان المسجد الأموي, جاء بعمال سخرة للعمل فيه, أمرهم بأن ينقل كل واحد منهم قطعة حجر للبناء, لاحظ أن واحدا منهم يقوم بنقل حجرين اثنين, تعجب من أمره فاستوقفه وسأله : من أي بلد أنت؟ قال أنا من العراق, قال : يا سبحان الله  أنتم يا أهل العراق تتطرفون حتى في عمل السخرة .

 

ترى على شاشات التلفزيون كل أولئك المنافقين المدعين المدعين اللبراليين والماركسيين والبعثيين والوجوديين والملحدين يرفعون أذرعهم عاليا ويلطمون على صدورهم بحرقة وحماس, حتى سمعت أن أحد قادة اليسار ذهب إلى حج بيت الله الحرام, أين ذهبت كلمات كارل ماركس عن أفيون الشعوب ؟ كتب أحد ألأصدقاء من بلد الضباب : هنا في لندن, ذهبت لحضور حفلة للترحيب بفريق كرة القدم الفائز ببطولة آسيا, ذهبنا لنفرح بهم, وما أقل ما يفرحنا في العراق اليوم , وقف اللاعبون على المنصة وأخذ الميكروفون أحد الشعراء وانطلق ينشد بكائية عن شهداء آل البيت, ودعاني أحد الأصدقاء لوليمة عشاء في بيته, عرفته في القديم يساريا متطرفا غارقا في الديالكتيكية والبروليتارية والداروينية, تناولنا العشاء وأكلنا التمن والسبزي وشربنا اللبن الشنينة, وإذا بأحد الحاضرين, أساتذة وأطباء وأكاديميين, يقف بيننا ويبدأ بصوت رخيم يرتل التعازي والمقاتل, لم تمضِ غير دقائق قليلة حتى وجدت سائر الحاضرين يطأطئون رؤوسهم ويدفنون وجوههم في أيديهم ويبدأون في البكاء ولم تمر دقيقة أخرى حتى تدفقت الدموع من عيني أنا أيضا, ورحت أشاركهم في البكاء, بكيت وبكيت, بكيت على العراق .


شكرا جزيلا لك وارجو الله ان يطيل في عمرك ويرزقك النجاح الدائم ولك تحيات جميع العاملين في وكالتنا ..


قبل ان اتحدث اليه كنت اعتقد انه كالاخرين . لكن تبين انه انسان رائع يأسر القلوب ادبا وطيبة ورقيا حتى يجعلك تتمنى ان لا ينتهي اللقاء معه .



اجرى اللقاء ولاء العاني














تعليقات

أحدث أقدم